عام غير مسبوق علّمنا الكثير واختبر تضامننا وقدرتنا على التغيير

في حين كان كوكبنا يواجه وباءً عالميًا لا نظير له، أقدمنا جميعنا على التغيّر والتأقلم مع الروتين اليومي الجديد وطرق العمل. وقد حان الوقت لننظر إلى ما مضى ونعترف بأنّ العام 2020، وعلى الرغم من كل التحديات التي رافقته، كان عامًا تعلّمنا فيه الكثير.

في هذا المقال، سأعرض لكم الدروس الأساسيّة التي تعلّمتها في هذا العام الغريب، ومنها التأثير الإيجابي للتضامن، والقيمة الثمينة للحياة، والقوة اللامحدودة لثقتنا ببعضنا البعض.

التأثير الإيجابي للتضامن

يتمثّل التضامن بوحدة المشاعر والأداء بين الأفراد لتحقيق المصلحة المشتركة. وقد تمّ التعبير عن هذا التضامن الجماعي في المبادرات المختلفة لمكافحة الوباء، وذلك عند اعتماد إجراءات التباعد الاجتماعي في حياتنا اليوميّة وممارسة ضبط الذات خلال فترات الحجر والتعبئة العامة. وقد تمكنت المجتمعات التي تضامنت في هذه الأوقات العصيبة من الحدّ من أضرار الفيروس وحماية المجتمع من موجات العدوى الشديدة.

على المستوى المهني، أصبحت أولويات قادة الأعمال إدارة فرق العمل والتنسيق فيما بينهم، وذلك بالمواجهة المباشرة والمساندة الاحتياطية. وقد استمرت عدّة مؤسسات في جميع أنحاء العالم في خدمة عملائها (داخليًا وخارجيًا) عبر وسائل مبتكرة، لتتمكن من تحقيق ارتفاعٍ في الإنتاجيّة والأداء بمستويات قياسيّة بفضل الالتزام الجماعي.

وقد ساعد الإسراع في استخدام وسائل التكنولوجيا والتواصل أصحاب المصالح في البقاء على تواصل. وكانوا يسمعون يوميًا ويشاهدون بأنهم ليسوا وحدهم وأنّ زملائهم يقفون إلى جانبهم.

إلّا أنّ أبرز أشكال التضامن التي شهدتُها كانت في أعقاب انفجار مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أنّ تأثيراً إيجابياً استثنائياً كان يظهر. فقد وصلتنا رسائل الدعم من زملائنا وأصدقائنا من جميع أنحاء العالم. كما ساهمت التبرعات العينيّة التي تلقيّناها من شركتنا الأم سان غوبان، ووجود رئيسنا على أرض الواقع بدعم جميع الفرق وتشجيعهم.

في تلك الأثناء، هرع آلاف المتطوعين من الشباب لإزالة الزجاج المكسور ورفع الأنقاض، بحيث كرّسوا وقتهم وضافروا جهودهم على الفور كعمّال بناء خيّرين. وهذا ما ساعد المدينة على النهوض مرّة أخرى.

ويبقى أكثر الأعمال تأثيرًا لسيدةٍ راحت تُعدّ، في ركام مطبخها، الوجبات الساخنة للمتطوعين الذين كانوا يصلحون الأسطح والنوافذ في حيّها.

القيمة الثمينة للحياة

لسنواتٍ عديدة، كنا نركز جميعًا على الروتين المتنوع والجوانب الماديّة لحياتنا اليومية، حتى أدركنا فجأةً أنّ الحياة نفسها هزيلة وأنّ قيمتها ثمينة ويجدر بنا المحافظة عليها. كان العالم في مواجهة مرضٍ مجهول وبدأنا نشهد معاناة الناس وخسائر فادحة في الأرواح في العديد من البلدان. ففي غضون أيام، أو حتى ساعات، قد تجد نفسك تعاني لتأمين سريرٍ في مستشفى أو العناية الطبيّة الأساسيّة أو ما هو أسوأ، أن تنازع لتلتقط أنفاسك المتلاشية. ومن هنا، أصبح جميع الناس متساوين في عجزهم، بغضّ النظر عن عرقهم، أو جنسهم، أو جنسيتهم، أو ثروتهم. وكان همّهم الوحيد حماية أنفسهم وأحبائهم. فأصبحت الحياة عزيزة على كلٍ منا وعلى من حولنا. بالإضافة إلى ذاك، فقد تغيرت الحياة المهنية كثيرًا مع التغيّرات في التوازن بين العمل والحياة. وبدأ الناس بالعمل عن بُعد من منازلهم (غرف الجلوس أو غرف الطعام أو المطابخ) بينما ترك الآخرون الحياة الحضارية وانتقلوا إلى منزلهم الثاني في المناطق الريفيّة كالقرية أو البحر. أي كأننا عدنا إلى الحياة البسيطة ولكن مع الضرورة الملحّة لوجود شبكة Wi-Fi تسمح بالبقاء على اتصال مع مكان العمل ومع العالم.

من الناحيّة الأخرى، أتيحت لكوكبنا فرصة للتنفس وتجديد بشرته. فتوقفت انبعاثات الدخان الكثيف من المدن الكبرى لمدّة أسابيع، وأثبتت لنا الحياة أنّ كوكبنا قادر على معالجة نفسه. كما بدأ الناس في زراعة الزهور والمنتجات الصالحة للأكل في الساحات الخلفية لمنازلهم أو على الشرفات. لقد كانوا على تواصل مع الطبيعة بطريقة مختلفة، وبدأوا يدركون ذلك يومًا بعد يوم.

أحد تعريفات الحياة هي قدرة موادِها العضويّة (الإنسان والحيوان والنبات) على النمو والتغيّر المستمر. وسيؤدي الارتباط الأقوى للبشر بالطبيعة إلى مستقبل أفضل للإنسانية ولكوكبنا.

القوة اللامحدودة لثقتنا ببعضنا البعض

بحسب التوقعات، في عالم متغيّر، حيث لا يحصل الناس على فرصة للتنقل بحريّة أو السفر ومقابلة الآخرين وجهًا لوجه، عليهم أن يثقوا بقدرة شخص آخر على إنجاز الأشياء بدقة. هذه إحدى الطرق العملية لوصف الثقة. ومن خلال الأشهر الماضية، كشفت الثقة عن قوتها اللامحدودة نحو التقدم وتحقيق الأهداف عبر الأشخاص والشبكات والمنشآت المرتبطة ببعضها البعض.

وقد تغيرت التبادلات الاقتصادية الأساسية بشكل كبير، وذلك من معاملات البيع والخدمات التقليدية إلى التجارة الإلكترونية وخدمات الإنترنت. ممّا يعني أنّ كل مستهلك يثق في المُورّد أو مقدّم الخدمات بالإضافة إلى بوابات الدفع إلى حين تسليم بضاعته إلى باب المنزل. ويتكرر فعل الثقة هذا ويتعزز مع كل ساعة من كل يوم، بدأً من شراء البقالة ووصولًا إلى المشتريات الضخمة التي تتم عبر الإنترنت. وهذه ثورة كبيرة في قطاعات البيع، والخدمات، والنقل، والتصنيع. فاليوم تعجز العلامات التجارية الكبرى أو سلاسل المتاجر أو حتى مراكز التسوق عن تخيّل مستقبلها بدون التواصل مع عملائها عبر المنصّات والأسواق الإلكترونيّة.

من منظور مؤسستنا وشخصياتنا، لقد رأينا مواهب جديدة ومذهلة أظهرت إمكاناتها العالية في الخدمة والنمو مع إظهار المشاركة المثالية وتقديم نتائج فريدة من نوعها. فالأزمات تساعد على تسريع عملية التطوير والنضج لدى المتعاونين، وخاصة الأصغر سنًا منهم، حيث يزدهروا ويكتشفوا قدرتهم على تنمية حياتهم المهنية والمساهمة في تقدّم شركتهم. فما إن يتم دعمها، حتى تبهر أصحاب هذه المواهب مدراءها وعملاءها أيضًا.

أما بالنسبة إلى الطاقم الطبي والعاملين في قطاع الصحة، فقد علّمونا دروسًا في التفاني في مهمتهم والتضحية في سبيل الأشخاص الذين يقدمون لهم الرعاية الطبية الطارئة. فهم اكتسبوا ثقة مرضاهم ومجتمعاتهم لأنهم حرموا أنفسهم من حريتهم الشخصية وحياتهم الشخصية. وهذا دليل آخر أنّ في أوقات الشدة، الثقة التي يضعها الناس في بعضهم البعض هي التي تمكننا من الاستمرار. فظاهرة الثقة هذه لها قوة لامحدودة الآن وفي المستقبل.

على الرغم من أنّ الأزمة لم تنتهِ بعد، إلّا أننا نجد أنفسنا اليوم أكثر استعدادًا لمواجهتها. وأصبحنا الآن قادرين على التطلع إلى المستقبل بالاعتماد على الخبرة الجماعية المكتسبة خلال العام الماضي، والدروس التي تعلمناها.

مستقبل من الثقة والتضامن من أجل حياة أفضل في العالم بأسره …

هادي ناصيف – 21 كانون الثاني/يناير